السيد علي عاشور
117
موسوعة أهل البيت ( ع )
قال عمران : يا سيدي أشهد انه كما وصفت ، ولكن بقيت لي مسالة . قال : سل عما أردت . قال : أسألك عن الحكيم في أي شيء هو ؟ وهل يحيط به شيء ؟ وهل يتحول من شيء إلى شيء ، أو به حاجة إلى شيء ؟ قال الرضا عليه السّلام : أخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه فإنه من أغمض ما يرد على المخلوقين في مسائلهم ، وليس يفهمهه المتفاوت عقله العازب حلمه ، ولا يعجز عن فهمه أولوا العقل المنصفون ، أمّا أول ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل أن يقول : يتحول إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك ، ولكنه عزّ وجلّ لم يخلق شيئا لحاجة ، ولم يزل ثابتا لا في شيء ولا على شيء إلا أن الخلق يمسك بعضه بعضا ، ويدخل بعضه في بعض ، ويخرج منه ، والله جل وتقدس بقدرته يمسك ذلك كله ، وليس يدخل في شيء ولا يخرج منه ، ولا يؤوده حفظه ، ولا يعجز عن امساكه ، ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك إلا الله عزّ وجلّ ، ومن أطلعه عليه من رسله ، وأهل سره والمستحفظين لأمره ، وخزانه القائمين بشريعته ، وإنما أمره كلمح بالبصر أو هو أقرب ، إذا شاء شيئا فإنما يقول له : كن فيكون بمشيته وارادته ، وليس شيء من خلقه أقرب إليه من شيء ، ولا شيء أبعد منه من شيء أفهمت يا عمران ؟ قال : نعم يا سيدي قد فهمت ، وأشهد أن الله على ما وصفته ووحدته ، وأنّ محمدا عبده المبعوث بالهدى ودين الحق . ثم خر ساجدا نحو القبلة وأسلم . قال الحسن بن محمد النوفلي فلما نظر المتكلمون إلى كلام عمران الصابئ وكان جدلا لم يقطعه عن حجته أحد قط لم يدن من الرضا عليه السّلام أحد منهم ، ولم يسألوه عن شيء ، وأمسينا ، فنهض المأمون والرضا عليه السّلام فدخلا وانصرف الناس ، وكنت مع جماعة من أصحابنا إذ بعث إلىّ محمد بن جعفر فأتيته فقال لي : يا نوفلي أما رأيت ما جاء به صديقك ، لا والله ما ظننت أن علي بن موسى عليهما السّلام خاض في شيء من هذا قط ولا عرفناه به ، انه كان يتكلم بالمدينة أو يجتمع إليه أو يجتمع إليه أصحاب الكلام ؟ قلت قد كان الحاج يأتونه فيسألونه عن أشياء من حلالهم وحرامهم فيجيبهم ، وربما كلم من يأتيه يحاجه . فقال محمد بن جعفر : يا أبا محمد إني أخاف عليه أن يحسده هذا الرجل فيسمه أو يفعل به بلية فأشر عليه بالإمساك عن هذه الأشياء . قلت إذا لا يقبل مني ، وما أراد الرجل إلا امتحانه ليعلم هل عنده شيء من علوم آبائه عليه السّلام . فقال لي : قل له : ان عمك قد كره هذا الباب وأحب أن تمسك عن هذه الأشياء لخصال شتى .